المُبادَرةُ_العفويّة_تمنح_الكتابةَ_تدفّقًا_و_سلاسةً

93

المُبادَرةُ_العفويّة_تمنح_الكتابةَ_تدفّقًا_و_سلاسةً.

عجيبٌ أمرُ الكتابة، لا ينفع في سلاستِها و تدفّقها كثرةُ التأنّي و عُمقُ التفکیر وطولُ الرويّة ، بقدرِ ما ينفَع فيها عجلةُ الطبع، و سرعةُ تحريكِ الذهن، و مجانبةُ التكلُف في استجلابِ الألفاظ، و السذاجةُ في اختيارِ الأسلوب، و العفويّةُ في انتقاءِ التعبير.

هذه المبادرة العفوية تمنح الكتابةَ مِن الرقّة و السلاسة، و الجرَيان و العذوبة، ما يجعلها كالماء المتدفق الجاري، لا يجِد القارئ في فهمِها حَرَجًا، و يُسلَّم تسليمًا.

و السبب أن الذي يقِف عند كلّ كلمة، و يفكّر في كلّ فقرةٍ، ساعيا للإتيان بها في أسلوبٍ تعبيري مُنمَّقٍ، لا يأمَن من تزوير المشاعر، و تلفيق الأحاسيس.
و هذا ما يُفقِدها (الکتابةَ) سَیلانَ الأفكار، و تدفّق المشاعر، و جرَيان الأحاسيس، فتأتي معها كتابتُه مُلتوية،ً و مُعَقّدَةً، و في حِبكةٍ عاريةٍ عن جمالِ التناسق، وقوّة التنظيم، و روعةِ السياق، و حسن الانسجام.

سرُّ الغزارة المتدفقة في الكتابة أن تبادِر بالكتابة عاجلا، فورَ ما تلمَع الفكرةُ في زاويةٍ من عقلك، أو تعلَق خاطرةٌ بحاشيةِ من قلبك.
و لا تنتظر أن تؤاتيكَ التعابير الحسناء ببلاغة الجاحظ، و جزالةِ ابن المقفع، و رشاقةِ أبي حيّان، و روعةِ المنفلوطي، و سلاسة الطنطاوي، و حماسةِ الندوي..!

و هؤُلاء الاعلام لم يحظَوا بهذه الخصائص لأنّهم ترقّبوا كل كلمةٍ، و تقعّروا فيها، و تنمّقوا في نسجِها ببعضها، أبدًا!.

إنّهم أُوتُوا كلّ هذا السِّحرَ البيانيَّ السلسالَ ؛ لأنهم عجِلوا في كتابةِ كلّ ما بدا لهم، و بادَروا بتسجيل ما خَطَر لهم.

فجاءت كتاباتُهم كما نرى، مَثَلاً في الأدب الرفيع یُحتَذَى.

إذا أردتَ أن تأتي كتابتك سلسِةً، حلوةً، مُستَساغةً فاعجَل بالتنفيس عن أُوار المعاني المتوهّج في نفسِك في أول فرصةٍ مؤاتِيةٍ، و بأول كلمةٍ تُطاوِعك، و قبلَ أن ينفلتَ المعنى المحبوس ، و يشردَ اللفظ المُطاوِع.

هكذا هي تجربةُ الكُتّاب و الأدباء، سجّلوها في تجاربِ حياتِهم، و شهِد بها شاهدون من أهليهم.

إنّ الذي يجدُ في نفسِه حاجةً لِيكتب عنها، و هو لا يبادِر بتقييدها، متريّثًا الكلمةَ الرائعة، و التعبيرَ البديع، كَمَن وقع على صيدٍ، و هو لا يمُدّ يدَه إليه، لِيحبسَه، بل ينتظر قفصًا جميلًا مُزَخرَفًا. فلا صيدُه يبقى، و لا القفصُ يأتي.

و بالتجربةِ، فإنَّ كاتِبًا كهذا سُرعانَ ما يفقِد التمالكَ على نفسِه و قلمِه، فيضطرَّ لتكليف الذهن ما لا يستطيع، و تحميلِ القلمِ ما لا يحتمِل. فيتعسّف و يتكلّف، و يتدنّى و يُسِفّ، و لا يأتي بجيّدٍ و جديدٍ.

و هذا ما يُفسِد الكتابة، و يُذهِب سلاستها و بهاءَها، و يسدّ تدفّقَها و رونَقَها، و يمنع توثَّبَها و سيَلانَها.
فتأتي (الكتابة) ثقيلةً على النفسِ، ملتويةً على الفهم، مُعقّدةً على اللسان، تكون أشبَهَ شئٍ بماءِ الوَحل الكثيف المتعفن،
و ليس كماء النهر الجاري الغزير المتدفق.!

عبدالوهّاب سلطان الدِّيروي

حَصادُ اليوم: 3 ذو القعدة 1441ھ