برامج المقالب بين لعنات وشغف الجمهور

48

بقلم المؤرخ الفني د/ أحمد عبد الصبور

هذا الشهر المكلل بالإيمان والمحبة يأتي مصحوباً بعاداته وتقاليده المتوارثة من جيل إلى جيل والتي تحمل الروح الرمضانية المفعمة بالمحبة والبهجة لكن مع مرور الأيام وتسارع التطورات والتكنولوجيا ومواكبة الناس للحضارة والحياة العصرية ، والتغيرات الكبيرة التي حصلت والتي طالت أيضاً العادات الرمضانية وغيرتها وبدلتها حتى أفقدتها النكهة المميزة لها ، أختلفت عادات كثيرة بين رمضان في الماضي ورمضان في يومنا هذا … وهنا نستعرض لكم أهمها :

حيث كان قديماً … يتبادلون الناس الزيارات والإجتماعات ويلتقي الأهل والأحبة ليتبادلوا التهاني والمباركات بقدوم الشهر الفضيل ، بينما اليوم مع تطور التكنولوجيا أقتصرت التهاني بين معظم الناس على إرسال الرسائل القصيرة للتهنئة بقدوم شهر رمضان ، أو حتى عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي فيسبوك وتويتر ……. وغيره ، مما أفقد هذة العادة رونقها وتميزها لدى الكثيرين .

وكذلك في الماضي كان الناس يستيقظون باكراُ لقضاء أعمالهم وأشغالهم ، أما اليوم فأصبح الليل نهار والنهار ليل حيث يقضون الليل في السهر والنهار في النوم ، وأنقلبت كل المقاييس .

فقد كان المسحراتي يحتل مكانة كبيرة في القديم فيجوب الحارات والأحياء قارعاً الطبل ليوقظ النائمين بعبارات رمضانية جميلة تحث النائم على القيام وتناول طعام السحور والصلاة مما يضفي طابعاً مميزاً على أجواء السحور، لكن اليوم محيت هذه الشخصية تماماً وأصبح الناس يستيقظون على صوت المنبه .

أما الإفطار فقد كان يجمع العائلات والأحبة ويتبادل الناس الزيارات والعزائم على الفطور كما يتبادل الجيران وأبناء الحي الأطباق الرمضانية والأطعمة ، وقد أقتصرت هذة العادة اليوم بشكل كبير وأفتقد الناس كثيراً لهذه العادات القديمة المليئة بالمحبة والألفة والتي أصبحت مختصرة بشكل كبير .

كذلك أنتشرت في يومنا هذا السهرات الفنية في المقاهي والأماكن العامة بدلاً من السهرات الدينية على أصوات المنشدين ووقع المدائح الدينية .

وكان رمضان هو شهر إجتماع العائلات والجيران والأصحاب وإحياء السهرات الجماعية التي أصبحت اليوم مقتصرة على فئات محدودة وقليلة … حيث أستبدل الناس اليوم الطقوس الرمضانية بمشاهدة التلفاز والفضائيات لمتابعة المسلسلات والبرامج السياسية .

وأصبح الملفت للأنظار في السنوات الرمضانية الأخيرة هو المنافسة الدرامية فى رمضان كل عام … حيث تسعى القنوات الفضائية إلى جذب إنتباه المشاهدين من خلال مجموعة من البرامج تتنوع بين تنفيذ مقالب فى النجوم أو كشف أسرار حياتهم .

وبالطبع دخلت برامج المقالب ضمن قائمة البرامج الأكثر متابعة ليس في مصر فقط بل في العالم العربي أجمع ، حيث تحتل المراكز الأولى في متابعات الجمهور، وتتفوق بذلك على مسلسلات يقدمها كبار النجوم .
وقديماً أعتمدت برامج المقالب على رد فعل الجمهور، من خلال مقلب يتم إعداده ، ويكون الضحية فيها مواطن عادي ، بينما تعتمد معظم البرامج حالياً على عمل مقلب في نجم من نجوم الفن أو الكرة ، حيث يتفاعل الجمهور مع المقلب ، الذي يشاهدون من خلاله نجمهم المفضل على طبيعته .

وهنا سوف نستعرض تاريخ أشهر برامج المقالب في مصر والوطن العربي …

فقد بدأت برامج المقالب في بداية الثمانينات ، ومن أشهر هذة البرامج :-

الكاميرا الخفية
هو أول برنامج يتم تقديمه من هذه النوعية في مصر، وقدمه الفنان الكبير ” فؤاد المهندس ” عام 1983م ، حيث كان يقوم بتعريف مضمون الحلقة الذي يقوم ببطولتها الفنان إسماعيل يسري ، ويعتمد من خلالها على أن المواطن هو نجم الحلقة ، بعد تعرضه لموقف كوميدي يظهر فيه رد فعله ، وأستمر البرنامج لعدة سنوات ، حتى قدمه الفنان محمود الجندي ولكنه لم يلاقي النجاح المطلوب ، وأرتبطت برامج المقالب بأغنية شهيرة للفنانة أنوشكا تقول كلماتها ” اللقطات اللي هتشوفها كلها طبيعية ، والأبطال أنا وإنت وهي ” .

ما فيناش زعل
أعاد الفنان ” إسماعيل يسري ” تقديم فكرة الكاميرا الخفية ، ولكن هذه المرة من خلال برنامج يحمل أسم ” ما فيناش زعل ” ، للكاتب يوسف معاطي ، وتم تقديم البرنامج عام 1995م .

زكية زكريا
هو أشهر برنامج للمقالب ، حيث أستمر لعدة سنوات ، من خلال تقمص الفنان إبراهيم نصر ، لشخصية إمرأة تسمى زكية زكريا ، وهي تعتمد على وضع كمية كبيرة من الماكياج على وجهها ، وتقوم بإستفزاز عدد كبير من المواطنين ، الذي يقعون كضحايا في البرنامج ، ولاقى البرنامج نجاحاً كبيراً لدرجة أن صناع العمل قاموا بعمل فيلم سينمائي يحمل أسم ” زكية زكريا في البرلمان ” ، وقد أعتمد الفنان ” إبراهيم نصر ” على عدد من العبارات التي لازمت شخصية ” زكية ” منها ” أقولك بخ تبخ ” ، ” يا نجاتي أنفخ البلالين عشان عيد الميلاد ” ، وبعدها قاموا بتقديم عدد من برامج الكاميرا الخفية ، مثل ” غباشي النقراشي ” ، ” نجاتي ” ، ولكنها لم تحقق نجاح زكية زكريا ، وقدم الفكرة المخرج رائد لبيب ، والمؤلف فداء الشندويلي .

إديني عقلك
في نهاية التسعينات قام المخرج ” علي العسال ” بتقديم برنامج للكاميرا الخفية يسمى ” إديني عقلك ” ، وأستمر البرنامج قرابة الأربعة عشر عاماً ، وكان الفنان ” حسين المملوك ” والفنان ” منير مكرم ” هما أبطال العمل ، حيث نالا على مدار سنوات عديدة أكثر من ” علقة ساخنة ” بسبب المقلب وأسلوبهما المستفز .

حسين على الهوا
الفنان الكبير ” حسين الإمام ” هو أول من بدأ في ” موضة ” جعل الفنان نجم برنامج المقالب عام 2003 م ، من خلال برنامجه ” حسين على الهوا ” ، وحقق البرنامج نجاحاً كبيراً ، وأستثمر صناع العمل بعدها نجاح البرنامج ، وقدموا سلسلة من البرامج نجمها الفنان الراحل ، منها ” حسين على الناصية ” ، ” حسين في الاستوديو ” .

مقلب دوت كوم
هو برنامج قدمه الفنان ” أشرف عبد الباقي” على مدار موسمين ، وحقق نجاحاً كبيراً نظراً لفكرته المختلفة ، حيث يعتمد على إشتراك عدد من الأصدقاء في عمل مقلب في صديق لهم من خلال معرفة أكثر ما يخيفه أو أكثر الأشياء الذي تستفزه .

رامز جلال وكوميديا ” الهلع “
بدأ الفنان ” رامز جلال ” في تقديم سلسلة برامج تحمل أسمه ، وتعتمد هذه البرامج على وضع النجم تحت ضغط موقف معين ، ليشاهد الجمهور رد فعل نجمهم المفضل بعد تعرضه للمقلب ، وتوالت أعماله منذ عام 2011م ، بداية من برنامج ” رامز قلب الأسد ” ، وبعدها ” رامز ثعلب الصحراء “، ” رامز عنخ آمون ” ، ” رامز قرش البحر ” ، ” رامز واكل الجو ” ، ” رامز بيلعب بالنار ” ، “رامز تحت الأرض” ، ” رامز تحت الصفر ” ، ويستمر البرنامج حتى هذا العام للسنة التاسعة على التوالى ويعرض هذا العام بعنوان « رامز فى الشلال » .

هبوط اضطراري
قام الفنان ” هاني رمزي ” بتقديم أربعة برامج للكاميرا الخفية ، ليكون بطل الحلقة فنان أو فنانة ، وبدأ ” رمزي ” بتقديم أولى برامجه الذي حمل أسم ” هبوط اضطراري ” عام 2015م ، بعدها قدم برنامج ” هاني في الأدغال ” ، ” هاني هز الجبل ” ويعرض له حالياً برنامج ” هاني في الألغام ” .

الصدمة
هو برنامج يعتمد على معرفة رد فعل الجمهور في أكثر من دولة عربية ، حول موقف إنساني معين ، يقوم بأدائه عدد من الممثلين في كل دولة ، ومن خلال الموقف ، يتدخل عدد من الجمهور لمحاولة حل مشكلة إنسانية بحتة .

والجدير بالذكر فيما سبق عرضه هو أن أشهر برامج المقالب على الإطلاق في السنوات الأخيرة والأكثرها مشاهدة وإنتشاراً وتكلفة إنتاجية وأكثرها تحقيقاً للأرباح … هى برامج المقالب للفنان ” رامز جلال ” .

وفي أحد الإستفتاء بأخذ أراء الجمهور عن البرنامج خاصة بعد تحقيقه أكثر مشاهدة على الإطلاق على مدار عدة سنوات على التوالي … كان رأي الجمهور في برامج ” رامز جلال ” خاصة لهذا العام كما يلي :

حيث أختلفت الأراء فيما بينهم …

فكان الرد من بعض الناس … برنامج حلو وبيضحكنا وبننتظره من العام إلى العام .

بينما قال آخرون : ” بعد الأذان رامز على طول ” .

وأشار آخرون هو كان حلو فى البداية ولكن في الوقت الحالي أصبح ” مهروش وتقليدي ” .

وعن معرفة الفنانين المقلب … قال الجمهور :
على حسب نجومية الفنان ، لو النجم كبير وتقيل بيكون عارف المقلب وبيأخذ فلوس عليه كمان ، أما إذا كان فناناً صاعداً ومش مشهور فالأمر بالنسبة له عادى .

بينما قال أحدهم – مزاجنجى فى فيلم الكيف – « يا حلو بانت لبتك » ألصق بها « يحرم عليا محبتك » ، فمن الطبيعى أن يهجر الشخص أمراً يهواه ، بعدما تتكشف له الحقيقة ، ويفقد شغفه تجاهه ، وهو ما لم يحدث فى علاقة المُشاهد ببرامج المقالب الرمضانية التى تحصد سنوياً نسب مشاهدة عالية ، أشهرها برامج ” رامز جلال ” ، الأشهر فى الوطن العربى ، والذي وصلت شهرته للعالمية بعد إرتفاع ميزانية البرامج فور بدء عرضه على قناة « mbc مصر » ، حيث أستضاف رامز أكثر من نجم عالمى مثل : باريس هيلتون وشاروخان وأنطونيو بانديراس وستيفن سيجال وآخرين …

وذلك لأنه يوجد عوامل عدة ساعدت هذه البرامج فى تصدر مُشاهدات شهر رمضان ،،، من بينها أنه يتم عرضها سنوياً فى ميعاد الإفطار .

والأمر الثانى وهو الإمكانيات التكنولوجية التى أصبحت أكثر إبهاراً فى كل موسم ، مما جعل المشاهد أسيراً لبرامج الفنان الكوميدى ، ولم يقتصر الأمر على رامز ، حيث ظهرت برامج أخرى بكثرة السنوات الأخيرة الماضية ، ورغم شكوك الجمهور حول مصداقية هذه المقالب ، وإعتراف بعض الفنانين الذين حلوا ضيوفاً عليها بأنهم كانوا على عِلم مُسبق ، تحقق نسب مشاهدات مرتفعة .

الجمهور يتابع هذه النوعية من البرامج ، ويحاول دائماً معرفة ماذا ستقدمه فى الموسم المقبل ؟! ، ويهتم بمعرفة ضيوف الحلقات ، وإذاً … ما السر فى ذلك ؟! ، وما أسباب إستمرار هذه البرامج بعدما فقدت أهم عُنصر فيها وهو « المقلب » ؟!

إنها ” إزدواجية المشاهد المصري “

فقد باتت برامج المقالب وعلى رأسها البرنامج الخاص برامز جلال ، تسيطر على إهتمامات قطاع كبير من الجمهور خلال شهر رمضان ، ولم تأت هذه الهيمنة نتيجة لعمل فنى محبوك ، لكن من خلال برنامج مقالب هزلى ، حسب آراء خبراء الإعلام .

حيث أن رامز يلعب على أسوأ سمات الجمهور وهى الإزدواجية ، ولذلك يسيطر على نسب المشاهدات العالية على التليفزيون ومواقع التواصل الإجتماعى ، ليصبح « رامز أفضل تجسيد لحالة المجتمع والفن فى مصر … صناعة مأزومة ضيقة الأفق ، فالبرنامج يستضيف فنانين مدّعين لا يحفلون سوى بالشهرة والمال ، ليحفل بمشاهد تعكس كرامة مهدرة ، وذوق فى الحضيض ، كما يبين البرنامج أن الإعلام أغلبه محتال ، والجمهور معظمه أفاك يلعن رامز وينتقده ، ولا يمل من الترويج له ، والمساهمة فى بناء مجده » .

وكذلك أنها بذاءة رامز جلال

أن برامج المقالب فقدت مصداقيتها لدى الجمهور وأصبح الأمر أقرب للتمثيل فى الوقت الحالى عكس الماضى ، حينما كانت لها درجة من المصداقية .

وبالرغم من ذلك أن الجمهور ربما يتابع بشغف الحلقات الأولى من هذه البرامج ليعرف ما هى طبيعة المقلب هذا العام ؟ ، لكنه يفقد شغفه ولا يتابعها بعد ذلك ، وربما يعود للمشاهدة على مواقع التواصل الإجتماعى لرؤية فنان يعجب به فقط .

كما أن برامج المقالب أصبحت مُمنهجة بشكل واضح وجميعها تُشبه بعضها ، كما يلاحظ أن … « الفنان هانى رمزى ركب طيارة ، فالفنان رامز جلال يجيب طيارة وهكذا » ، والملاحظ وملفت للأنظار أيضاً هو تعليقات الفنان ” رامز جلال ” أثناء الحلقات التى توصف بأن بها درجة كبيرة من البذاءة ولا يتقبلها المُشاهد فى البيت المصرى .

لكن الأغرب من ذلك ما يحدث من « تريقة » وإستهزاء وتسفيه من الفنانين الذين يحلون ضيوفاً على برنامجه ، خاصة إن كان هذا الفنان كبير سناً وفنياً حينها يفقد تاريخه الفنى مُقابل أموال .
كما أن مُتابعة هذة البرامج نوع من الإسقاط على الذات

حيث يرى الطب النفسى أن إستمرار الجمهور فى مُشاهدة تِلك البرامج هو نوع من الإسقاط على الذات ، كما يشرح لنا أطباء علم النفس موضحين لنا أن كل شخص يحاول تحقيق ما يتمناه من خلال غيره ، وحدود البعض هو الإعجاب بهذة النوعية ، وبالتالى يجد المتعة فى مشاهدة 30 من ضيوف رامز جلال ، وهم يتعرضون لتلك المقابل ، وهذا النوع من الجمهور بخلاف المعجبين برامز جلال نفسه أو مُقدم هذه النوعية من البرامج .

وبالطبع أن برنامج ” رامز جلال ” ليس الخطر الأول على الأسرة المصرية والأطفال لكن من الضرورى أن يهتم الآباء بتأهيل أطفالهم لأن سيطرة الدولة أو الأب والأم على المواد التى يتم تقديمها أصبح صعباً لذلك يجب زرع داخل أطفالنا الأفكار وليس السلوك لأن الأساس هو المشاعر .

ماذا تفعل برامج المقالب فى من يشاهدها ؟
مع ضغوط الحياة المتزايدة ، يبدأ الإنسان فى البحث عن الترفيه بأى شكل كان ، وبعدما كان يضحك الناس عن طريق برامج مقالب راقية أو أفلام كوميدية أصبح يضحك من السخرية على الأشخاص المشهورة ، ما يصل فى بعض الأحيان إلى حد الإهانة .

والحقيقة أنه توجد قائمة طويلة بتأثير تلك البرامج على من يشاهدها … نذكر منها :
أولها ،،، هو زيادة تركيز المُتلقى على السلوكيات السلبية مثل السخرية والإزدراء والتقليل من الآخرين ، والتدخل فى حياتهم عن طريق الأحكام بطريقة جارحة ، إضافة إلى تعليم الأطفال حب الظهور ولفت النظر والإحساس بالذات من خلال السخرية من الآخر، بجانب أن هذه البرامج تنم عن سادية المُشاهد الذى يضحك على خوف وهلع الآخر وكأنه يشفى غليله بمشاهدة هذا النجم المحبوب فى وضع سيئ ، وكذلك أن هذه البرامج تقدم رسالة سلبية واضحة للمجتمع وهى « حتى تحصل على الشهرة والمال أنتهك حدود الآخرين » !!!