قصتي مع الشيخ الشهيد أحمد ياسين

124

بقلم / د. ناصر الصوير
الباحث والكاتب والمحلل السياسي

ما لا يعرفه الكثيرون أنني أجريت منذ 22 عاما وحتى سنوات قليلة خلت مئات اللقاءات والحوارات والمقابلات الصحفية مع مختلف الشخصيات السياسية الفلسطينية من جميع الحركات والفصائل والاتجاهات والتيارات، وما لا يعرفه الكثيرون أن صحيفة القدس التي كانت قبل 25 عاماً الرئة الواسعة التي يتنفس منها الشعب الفلسطيني الإعلام، حيث لم تكن الإذاعات المحلية ولا الفضائيات ولا شيء من هذا القبيل أفردت لكل مقابلة من مقابلاتي صفحة كاملة، وكانت هذه الحوارات تتميز بالمكاشفة والصراحة الشديدة ، ولا أبالغ إن قلت أنني كنت صاحب مدرسة الحوار الصريح جدا في الإعلام الفلسطيني، ولا أخفي أن هذه المقابلات صنعت لي مجداً إعلامياً متميزاً وجعلتني المحاور الصحفي الذي يشار له بالبنان أينما حل وأينما ذهب … ولأن لكل حوار من هذه الحوارات قصة قد تكون طريفة أو مثيرة إلى حد ما فلقد قررت فتح حقيبة الذكريات، وإليكم قصة إحدى هذه المقابلات المهمة التي أجريتها خلال مسيرتي المهنية:
كما هو معلوم ومعروف أن دولة الكيان الصهيوني أرغمت مطلع شهر أكتوبر عام 1997م، على الإفراج عن الشهيد الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس بعد محاولة الموساد الفاشلة لاغتيال خالد مشعل في العاصمة الأردنية(عمان، في إطار صفقة وافقت عليها دولة الكيان ترضية للملك حسين الذي شعر بالإحراج الشديد من محاولة الاغتيال الفاشلة على الأراضي الأردنية . وبموجب هذه الصفقة أرسلت دولة الكيان الصهيوني الترياق المضاد للمادة السامة التي رشها عملاء الموساد في أذن خالد مشعل، وكذلك قيام دولة الكيان بالإفراج عن الشيخ أحمد ياسين وعشرين آخرين من المعتقلين الفلسطينيين في سجونها، وذلك مقابل إفراج الأردن عن عملاء الموساد.
بعد وصول الشيخ ياسين إلى غزة طُلب مني المرحوم محمود أبو الزلف وهو صاحب جريدة القدس وصاحب الامتياز إجراء مقابلة عاجلة مع الشيخ ياسين، وكان مجرد تكليف المرحوم أبو الزلف لأحد الصحفيين بمهمة إعلامية فخر كبير ومهمة شاقة في الوقت نفسه، لذلك كنت حريصاً عل انجاز المهمة على الوجه الأكمل.
لم تكن المهمة سهلة أبداً فقد كانت المسألة في غاية الصعوبة لأن جميع وسائل الإعلام العربية والعالمية كانت تحاصر الشيخ خطوة بخطوة وكلمة بكلمة بالإضافة إلى مئات الآلاف من قدموا من جميع أنحاء القطاع لتهنئة الشيخ بالإفراج والانعتاق من الأسر، لذلك كان الحصول على مقابلة من الشيخ ضرباً من ضروب المستحيل إن لم يكن المستحيل بعينه؛ ولكن كان لزاماً عليّ إجراء هذه المقابلة لان الفشل في إجرائها يعني زعزعة ثقة صاحب الجريدة في شخصي وسيترتب على ذلك نتائج غير محمودة العواقب .حاولت الاتصال بمن أعرفه من قيادة حركة حماس لترتيب المقابلة دون جدوى فالجميع منهمك مع الشيخ وكما يقال ( مفيش حد فاضي لحد(.. عصرت عقلي مراراً حتى أجد مفتاحاً يمكنني من فتح هذا الباب الموصد وإجراء هذه المقابلة وفي نهاية الأمر استسلمت لقدري وقررت الاتصال بصاحب الجريدة لأخبره بأنني لم أستطع إجراء المقابلة ؛ ولكن قبل أن أرفع السماعة رن جرس الهاتف وإذا بأخ خلوق مؤدب وهو أحد أبناء حركة حماس وأحد مرافقي الشيخ ياسين سابقاً على الطرف الآخر يستفسر مني عن إمكانية ترتيب زيارة للمرحوم عون الشوا رئيس بلدية غزة في تلك الآونة (كنت مستشاره الإعلامي) للمعهد الرياضي الذي كان يشرف عليه، وأثناء المكالمة خطر على بالي أن أسأله حول إمكانية إجراء اللقاء مع الشيخ ياسين ، وجاء الفرج فقد أبدى الرجل استعداده بذل كل جهد ممكن لترتيب اللقاء ، وطلب مني مهلة قصيرة ، المهم أنه اتصل بي بعد فترة وجيزة وأبلغني أن اللقاء سيكون بعد صلاة العشاء مباشرة في بيت الشيخ ياسين، كدت أطير من الفرح وجهزت نفسي وذهبت في الموعد المحدد إلى بيت الشيخ وهناك كانت المفاجأة التي لم تكن في الحسبان على الإطلاق…. وجدت أحد مرافقي الشيخ ينتظرني ويبلغني أنه تقرر أن يكون اللقاء أمام الحشود الهائلة التي قدمت من كل صوب وحدب لتهنئة الشيخ بالسلامة والإفراج، واصطحبني إلى إلى ساحة كبيرة ليست بعيدة عن بيت الشيخ فيها ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص بالإضافة إلى صفوف طويلة من المهنئين . وبمجرد أن وصلت قام الأخ أبو العبد هنية (نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس حالياً ورئيس الوزراء السابق) وطلب من الناس عبر مكبرات الصوت الهدوء للاستماع إلى الحوار الذي سيجريه الصحفي ناصر الصوير مع الشيخ واصفني بالمحاور المخضرم والبارع، ساد صمت مطبق المكان وطُلب مني الصعود الى جوار الشيخ ، في هذه الإثناء كاد قلبي يكاد يخرج من بين ضلوعي من هيبة الموقف وشعرت أنني نسيت كل الأسئلة التي قمت بتحضيرها للقاء ، و من شدة الهلع لم أستطع أن أنظر ولو خلسة إلى الآلاف المحتشدين في الساحة ، وفكرت سريعا كيف بإمكاني أن أطرح ما في جعبتي من أسئلة صريحة أمام هذا الحشد ، ولكن في نهاية الأمر لم يكن بد من مواصلة هذا الامتحان الصعب ، توكلت على الله ثم على خبرتي المتراكمة في مثل هذه المواقف وتسلمت مكبر الصوت وبدأت بطرح الأسئلة وكان الأخ أبو العبد هنية يعيدها على الشيخ الذي كان يعاني من ضعف في السمع ، غضب الكثير من الحاضرين من شدة صراحة الأسئلة وتلقيت بعض التعليقات الجارحة من بعض الذين لم تعجبهم الأسئلة ولكن ابتسامة الشيخ ياسين كانت في كل مرة تطفئ غضبهم وتهدئ من روعهم ….تم اللقاء وكان رائعا صريحاً لدرجة أن جريدة القدس نشرته في اليوم التالي موضوعاً رئيسياً على صفحتها الأولى.
ختاماً كان لي شرف اجراء مقابلتين ثانيتين مع الشيخ عام1999وعام2002 مـ…. أما انطباعاتي عن الشيخ التي تولدت من خلال المقابلات الطويلة الثلاث فهي أنه كان يتمتع بذكاء حاد جداً يصل لدرجة الألمحية،لدرجة جعلته يتوقع ما السؤال التالي الذي سأطرحه عليه، كما كان واثقاً بقناعاته وأفكاره ، متمسك بها لأبعد الحدود، وكان سهلاً ممتنعاً تشعر منذ جوابه على السؤال الأول أنك أمام شخص قوي جداً رغم إعاقته الحركية وشيخوخته ومرضه، كما خرجت من عند الشيخ بأنه زاهد جداً في زخارف الدنيا وزينتها وليس أدل على ذلك من البيت المتواضع الذي كان يسكن فيه وطريقة حياته البسيطة المتواضعة.