مصالحة مصالحة ولا مصالحة

34

د. جمال زحالقة – رئيس حزب التجمّع في الداخل الفلسطيني

يعيش الشعب الفلسطيني حالة فريدة من التجزئة، ومنع التواصل بين أجزائه المختلفة، ويفرض عليه هذا الواقع من قبل إسرائيل، التي اعتمدت سياسة تفتيت الفلسطينيين كاستراتيجية مركزية للهيمنة الكولونيالية على فلسطين وشعبها. هذه التجزئة هي صورة المرآة للنظام الصهيوني الإسرائيلي، الذي خصص لكل قسم من الشعب الفلسطيني نظاماً فرعيّاً خاصّاً له مكوّناته القانونية والحياتية، عبر هيمنة واحتلال وتقييد حرية الحركة والتواصل.

هكذا يجري عزل أهلنا في غزّة عن بقية الشعب الفلسطيني، وعن العالم كلّه، ويفرض عليه نظام السجن، الذي تلعب إسرائيل فيه دور السجّان، وهذا نظام من اختراع إسرائيل، ولا يوجد له مثيل في العالم، ويعاني شعبنا في القدس المحتلة من حالة انفصال عن غزة والضفة والشتات، ويقع تحت نظام ضم وتهويد، أمّا في الضفة الغربية فهناك تقييدات للحركة والتواصل بين مناطق الضفة ومع غزة والقدس والداخل والشتات، والنظام المفروض عليها هو نظام احتلال استعماري عنصري، وفي الداخل الفلسطيني يعيش الناس في ظل نظام التمييز العنصري الكولونيالي، وبعزلة تامة عن غزّة والشتات، ويعاني من تقييدات شديدة على التواصل والزواج من أبناء وبنات بقية الشعب الفلسطيني، أمّا الشتات الفلسطيني فهو محروم من الوصول إلى الوطن، ومن التواصل مع من فيه، وهو ما زال يواجه نظام التهجير الإسرائيلي. هذا التفتيت الإجرامي للشعب الفلسطيني، يلزمنا بأن نطالب بحقّ، قل من يطالب به، وهو الحق في أن نكون شعبا له كيان جماعي موحّد، قبل الحديث عن دولة واستقلال، وقبل أن نطالب بهذا الحق من أحد، علينا أن نطلبه من أنفسنا.

لا شكّ بأن تقطيع أوصال الشعب الواحد، وعزل كل جزء منه عن الآخر هو لبّ السياسة الاستعمارية الإسرائيلية، التي تمادت في تطبيق شعار «فرّق تسد» وذهبت بها إلى حدود بعيدة. في المقابل حاول الشعب الفلسطيني، عبر منظمة التحرير وفصائلها ومؤسساتها، وعبر المقاومة وتجاوز قيود التجزئة، التمرّد على هذا الواقع، ولم يستسلم له وحافظ على وحدة كيانه قدر المستطاع في ظروف في غاية التعقيد والصعوبة. كان الرد على «فرق تسد» هو الوحدة أولا والوحدة الكفاحية ثانيا.

وهنا لا بدّ من السؤال الجارح: هل الانقسام الفلسطيني الحالي يساهم في تقديم خدمة مجّانيّة لهذه الاستراتيجية الصهيونية؟ وكأننا نقول للمستعمر لا تتعب نفسك في تجزئتنا فنحن نقوم بذلك بأنفسنا، وعلى أكمل وجه. والطامة الكبرى هي أن الانقسام لم يعد سياسيا فحسب، بل هو انقسام جغرافي، سيؤدّي استمراره إلى خلق واقع يصعب إصلاحه. الوقت هنا ليس في صالحنا. يعتقد بنيامين نتنياهو وحكومته أن أفضل الطرق للتحكّم بمصير الشعب الفلسطيني، وتقزيم حركته الوطنية، هو المحافظة على الانقسام الفلسطيني الجغرافي والسياسي، بما ينسجم والاستراتيجية التاريخية الصهيونية. وهو يسعى إلى إضعاف السلطتين في غزّة وفي رام الله، لسد الطريق على بلورة إرادة وطنية جمعية وموحّدة، وعلى أي تحدّ فلسطيني للاحتلال والاستيطان. من هنا فإنّ استهداف مشروع التجزئة الإسرائيلي هو أهم ما يمكن للقيادة الوطنية الفلسطينية القيام به هذه الأيام. وإذا كان فرض التجزئة والفصل على الشعب الفلسطيني هو من عمل إسرائيل ونناضل لإنهائه، فإن الانقسام هو من صنع أطراف فلسطينية، وبيدها تغييره.

تزداد أهمية المصالحة الفلسطينية، تبعا لتحديات من النوع الثقيل، تواجه شعب فلسطين وحركته الوطنية، تجلّت في وثائق معلنة واضحة النص والقصد، وفي مقدمتها قانون القومية اليهودية، الذي يحدّد سياسات إسرائيل وتجري ترجمته على الأرض بوتيرة متسارعة، وصفقة القرن، التي يجري أيضا تطبيق بنودها حرفيا عبر ما تقوم به الولايات المتحدة بشأن القدس واللاجئين والاستيطان. ويأتي التطبيع والتتبيع المعلن لكل من الإمارات والبحرين، ومن سيلحق بهما، ليشكّل اقترابا جديا لإسرائيل، وابتعادا جديا ايضا عن فلسطين وقضيّتها. وهنا يصبح استمرار الانقسام الفلسطيني خطرا داهما وخسارة للجميع، للشعب وللقضية ولحماس ولفتح، ولكل الفصائل. لقد استبشر الكثيرون خيرا باجتماع الأمناء العامين ومخرجاته، وزاد هذا الاستبشار خيرا بعد لقاء وفدي فتح وحماس في السفارة الفلسطينية في إسطنبول، وبعد لقاءات وتصريحات تشير إلى قرب تحقيق المصالحة. ما رشح من كل هذا هو نصف مصالحة يشمل انتخابات تشريعية ورئاسية، تشكيل قيادة موحّدة للمقاومة الشعبية، مع الالتفاف على قضايا الخلاف الجوهرية الشائكة، التي منعت، حتى الآن، الاتفاق على المصالحة. المشكلة طبعا أن النصف الآخر، الذي لا اتفاق حوله ولا مسار لاتفاق حوله، سيعطّل نصف المصالحة الأول. من الصعب، ويكاد يكون من المستحيل الإبقاء على الانقسام الفعلي القائم، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، التي تتطلب اتفاقا على إجراءات معقّدة وثقة متبادلة وحسن نوايا وشفافية، ليست متوفّرة ولن تتوفّر ما دام متن الانقسام قائما. أكثر من ذلك فإنّ إجراء انتخابات بلا مصالحة حقيقية، قد يؤدّي إلى تعميق الانقسام وزيادة الاستقطاب، وهو ليس الحل المطلوب للصمود والتحدي في الظروف الصعب التي يمر بها شعب فلسطين. من اجل التغلّب على فخّ نصف المصالحة، التي من الممكن ان تأتي بنتائج عكسية، خرج بعض محبّي الحلول الوسط باقتراح خوض الانتخابات في قائمة مشتركة لفتح وحماس، بمشاركة بقية الفصائل، وفي هذه الحال لا خوف من النتائج ويطمئن كل طرف على عدم تزوير الانتخابات، وعلى ضمان تمثيله في المجلس التشريعي سلفا. يضاف إلى ذلك الاتفاق، سلفُا أيضا، على حكومة وحدة وطنية بمشاركة كل الأطراف، وحتّى في ما يخص الانتخابات الرئاسية جرى تقديم طرح جديد، من بعض قيادات حماس تحديدا، وهو ترشيح الرئيس محمود عبّاس، والتزام حماس بعد تقديم مرشح لها، ما يضمن، سلفا أيضا، فوز أبو مازن بالرئاسة. لم يصبح هذا الاقتراح موقفا رسميا لحماس، وإن حصل ذلك فهي بالتأكيد ستطلب مقابلا من النوع الثقيل.

من المستبعد أن يتم الاتفاق على كل هذا، وأن تجري انتخابات صورية، ومجرد طرح اقتراحات الوحدة قبل الانتخابات، تشير إلى تخوفات من حكم الشعب أولا، ومن نزاهة الانتخابات ثانيا، ومن عدم احترام الحسم الديمقراطي ثالثا. هذا اصلا إذا كانت هناك نيّة حقيقية بإجراء انتخابات، أم أنها محاولة لامتصاص النقمة الشعبية، وكسب للوقت حتى موعد إجراء الانتخابات الأمريكية. وإذا كان هناك اتفاق على النتائج، فما الحاجة للانتخابات. الأفضل أن يجري المضي في المصالحة وإجراء انتخابات لاحقا لا سابقا لها.

ومع أن ظروف السلطة في رام الله في غاية الصعوبة بكل ما يخص الأوضاع السياسية والاقتصادية (الحالة الأمنية تحت السيطرة) وكذلك أحوال الناس والسلطة في قطاع غزّة، فإنّ القيادة الفلسطينية، التي تتعرض لحصار غير مسبوق عربيا وأمريكيا، لم تستنتج بعد أن لا مفر من المصالحة، وأن الامتناع عن الاتفاق عليها سيأتي بنتائج وخيمة ليس على الشعب وحده، وإنما على القيادة ذاتها أيضا. إن أهم فعل سياسي فلسطيني هذه الأيام هو اللافعل وانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية، أملا بأن يفوز بايدن ويرمي جانبا صفقة القرن ويلغي العقوبات، ويعيد العلاقات والمساعدات، ويفتح الباب أمام المفاوضات من جديد (لا يصدّق! هناك من ما زال يحلم بالمفاوضات). وتأمل حماس أيضا أن يؤدي فوز مرشّح ديمقراطي إلى تخفيف الضغط عنها، تبعا لموقف الديمقراطيين من حركة الإخوان المسلمين عموما، ولكن إذا ارتاحت السلطتان في رام الله وغزّة ولو قليلا فإن فرص المصالحة، القليلة اصلا، تقل أكثر.

ولكن ما الذي سيحدث إذا فاز ترامب؟ أولا هذا ممكن، وثانيا مواقف ترامب معروفة ومعلنة، وهو يقوم بتنفيذ سياسته وخطته أولا بأول. إن استمرار السياسة الأمريكية على ما هي عليه، يعني المزيد من الحصار على القيادة الفلسطينية، بتنفيذ إسرائيلي ودعم عربي. في هذه الحال ستزيد أسباب الذهاب نحو المصالحة، ويزيد الضغط الشعبي بهذا الاتجاه. ومع ذلك ليس من المؤكّد ان يؤدّي ذلك إلى مصالحة فعلية.

في مواجهة استراتيجية المستعمرين بالكسر «فرق تسد» يتبنّى المستعمرون بالفتح استراتيجية وحدة الصف، للمحافظة على الذات وعلى وحدة الكيان ولمنع التفتيت، وبالأساس لأن وحدة الصف تمنح المستضعفين المزيد من القوّة على المقاومة وعلى تحقيق التحرر والعدالة. في ثلاثينيات القرن الماضي دارت في الصين حرب ضروس بين الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونع، والقوميين بقيادة تشانغ كاي شيك ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى. وبعد ان احتلت اليابان أجزاء واسعة من الصين، دعا الشيوعيون، والحرب الأهلية على أشدّها، إلى الوحدة الوطنية في مواجهة المحتل والمستعمر، لكن، تشانغ كاي شيك، زعيم الحزب القومي «الكومينتاغ» رفض ذلك، فقام عدد من الضباط باعتقاله وباقتياده مرغما لاجتماع مع الشيوعيين، جرى فيه الاتفاق على تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد الاستعمار الياباني، ظلت تقاتل حتى انتهاء الوجود الياباني في الصين عما 1945.

إن المعادلة في غاية البساطة وهي، أن مواجهة المحتل والمستعمر أهم من الصراعات الداخلية، ولكن «وحدة الصف» أفرغت من مضمونها، فالكل ينادي بها، ولا أحد يلتزم بها. الكل يقول صباح مساء مصالحة مصالحة، ولا مصالحة. تصدر البيانات ويستبشر الناس خيرا بإنهاء الانقسام، وبعد مدة قصيرة تخذل الأحلام وتتبدد الأوهام. لقد شبع الشعب الفلسطيني من خيبة الأمل وسئم من كلام بلا رصيد عن وحدة بلا تنفيذ، ولكن حتى لو خذلنا المرة تلو الأخرى سنظل ننادي بالوحدة الوطنية، فهي مفتاح وبوصلة الطريق نحو التحرر ونحو تصحيح الغبن التاريخي، الذي لحق بشعب فلسطين. وهي برأيي ستأتي عاجلا أم آجلا.. سواء أرادت القيادات ذلك أم اقتيدت إليها مرغمة، وإذا لم يحدث ذلك فلا مفر من استبدالها بقيادة جديدة تقود نحو وحدة حقيقية، ونضال فعّال، لتحقيق العدل لشعب فلسطين، الذي يستحق العدل.