منى دوغان جمال الدين : كتاب روحانا السفر الى الذات ثمره قراءات عديده فى علم النفس وفلسفه الحياه

87

-لم اتاثر بكاتب او اديب معين ولكن كل كتاب اقراه يترك فى نفسى شئ ما احاول التعبير عنه فى كتاباتى

استطاعت الاديبه اللبنانيه منى دوغان جمال الدين بحسها المرهف واسلوبها الراقى ان تعيد الى الاذهان زمن الرومانسيه التى جسدها ادباء المهجر وعلى راسهم جبران خليل جبران وانعكست تجربه الوحده التى عاشتها فى فرنسا على اسلوبها فى كتابها روحانا السفر الى الذات والذى جاء ترجمه صادقه لتلك التجربه ومحاوله الخروج منها لذا لم يكن غريبا ان يطلق عليها المتابعين لنشاطها الادبى لقب اميره الرومانسيه العربيه وعن تجربتها الادبيه ورؤيتهالاوضاع العرب والمسلمين فى اوروبا والمنطقه العربيه كان لنا هذا الحوار

1-    نشأت في اسره تجمع بين الصحافة والسياسة فما مدى تأثير تلك النشأة علي كتاباتك الأدبية

نشأت في بيئة مؤمنة ذات حس قومي ووطني عال جدا بين والد يعشق الغناء والموسيقى ويعزف على الكمان كهواية وام ورثت عن ابيها حب المطالعات السياسية وخال مخضرم سياسيا. كلهم مجتمعون ساهموا بان احظى بنوع من التنوع الثقافي يتعدى حدود وطني لبنان والوطن العربي ليشمل ثقافات أخرى على انواعها وكنت بطبعي منفتحة ذهنيا أتقبل ثقافات الآخرين مع الحفاظ الدائم على هويتي الأم ومبادئي ومعتقداتي.

من الوالد الحبيب تعلمت الايمان العميق فكان ايمانه عميقاً جدا وتعلمت الصبر حيث صبر اكثر من 15 سنة على مرض السرطان ومرض القلب المزمن وكان مع ذلك يكافح ويعمل ويشتغل رغم مرضه لإعالة عائلته. اضيف انه اغنى حسي الفني فالوالد كان يعزف على الكمان ويحب كل انواع الموسيقى الراقية عربية وغربية وكل الاغاني العربية. كان يعشق ويغني بصوته الجميل لمحمد عبد الوهاب ومن ثم عبد الحليم حافظ.

أمي عاشقة السياسة ولدت في بيت من اب عمل في الصحافة ايام الحكم العثماني اضافة الى عمله الثابت كتاجر قماش. وخالي المخضرم سياسيا المهندس سمير مصطفى الطرابلسي كان عضو في المكتب السياسي للمؤتمر الشعبي اللبناني المؤسسة التي تتلمذت فيها وبالتالي اعتبرها مدرستي السياسية الثانية بعد مدرسة الأم اي عائلتي.

من خالي الغالي المثقف جدا جدا والغزير بقراءاته ومن يعرفه يشهد على ما اقوله تنورت سياسيا.

من هذه العائلة العريقة تعلمت حب عبد الناصر الى درجة عشقته وانا طفلة وانا لم اكن افهم كثيرا في السياسة لدرجة انني بكيت عليه بكاء طفلة على ابيها يوم توفي وكان عمري خمس سنوات فقط.

  ومن زوجي: استاذي وانا تلميذة استاذي في السياسة والصحافة والاخراج الفني، كان صحافيا وعمل ايضا في الاخراج الفني حوالي 30 سنة وكان مراسل مجلة الموقف في باريس.

تلميذة هذا الرجل العظيم وسأظل تلميذته.

بيد ان عشقي للمعرفة والمطالعة جعلني انسانة اتطور كل يوم. وهنا اروي لك قصة عشقي للكتاب: كنت سأذهب ضحية كتاب أقرأه. حدث هذا عام 1976 في لبنان. كنت ارتوي بقراءاتي للكتب خاصة بعد ان تعطلت المدارس جراء الاحداث فاقضي معظم وقتي بين الاشغال اليدوية والقراءة. كنت ككل يوم اخرج الى شرفة المنزل اطالع قبل ان يحل الظلام وذلك بسبب انقطاع الكهرباء. وفي يوم اشتد القصف ولم اسمع نصيحة امي بأن اترك الشرفة من شدة تعلقي بكتاب كنت اقرأه، نسيت نفسي الى ان لمع ضوءً ونزلت قذيفة على بناية مقابل بنايتنا وما رأيت نفسي الا مرتمية على الأرض. فعشقي للكتاب انساني صوت القصف والخطر الذي يمكن ان اتعرض له.

2- وهل تعد تجربه كتاب الحب الخالد هي اولي محاولاتك في هذا المجال ؟

نعم، انها تجربتي الأولى في كتابة قصائد باللغة الفرنسية، لكن حينما نشرت هذا الديوان سنة 1916 تذكرت وانا على مقاعد الدراسة انني كنت اكتب بعض الخواطر حينما كنت اشعر بملل من المادة او من اسلوب الاستاذ في التدريس فكنت آخذ قلماً وورقة واكتب جملاً بسيطة وامزقها لم احتفظ بها يوما. لماذا؟ لا اعرف؟ وما تذكرت ذلك الا مؤخرا حينما اكتشفت وانا بسن الاربعين قدرتي على الكتابة والتي اصبحت مع الوقت شغفا وعشقا فلا يمر يوما الا واكتب كلمة، جملة، فقرة، خاطرة، سواء باللغة العربية او اللغة الفرنسية.

3- وما هي الفكرة التي اردت التعبير عنها في هذا الكتاب ؟ وهل حقق هذا الكتاب النجاح المنشود ؟

الحب، ثم الحب، ثم الحب. ارى ان بالحب نستطيع ان نتخطى كل الحواجز في الحياة ونكسر كل العوائق التي يمكن ان تمنعنا من التواصل مع الآخرين. ففي كتابي عبرت عن حبي لعائلتي: امي وابي، زوجي وبناتي. لكن ذهبت بحبي الى اعمق من ذلك حينما عبرت في احد القصائد عن حبي للإنسان الطفل والمراهق وانسان الثلاثينيات والاربعينيات والخ… في قصيدة بعنوان: فن الحياة. وتخطيت حبي للإنسان لأعبر في عدة قصائد عن حبي للوطن والقضية الفلسطينية اذ تغنيت بحوالي ثلاث قصائد بالقدس. وكتبت قصيدة لشخصية تعجبني كثيرا وهي احد الشخصيات التي تأثرت بها وهي الأم تيريزا.

بالنسبة للنجاح لم يحقق النجاح المنشود فانا لم اسعى كثيرا للترويج عنه خاصة ان هدفي من نشر الكتاب كان النزول عند رغبة عائلتي لتجميع ما اكتبه في ديوان. فلم اكن اكتب لانشر كنت اكتب لأعبر عما يختلج صدري من مشاعر واحاسيس صادقة نابعة من القلب. وظلت القصائد وقتا طويلا في الأدراج. الا ان اصرار الجميع بجمع ما كتبته في ديوان كان الحافز الاول لنشري واطلاق الديوان. ولا ننسى ايضا انه إذا لم يروج اعلاميا لأي كتاب فلا يأخذ حقه بالنجاح. وهنا احب ان اشير إلى أنني اقرأ كتباً غير مروج لها اشتريها على بسطات في شوارع باريس واجد فيها جمالاً وابداعاً حتى لو لم تكتسب شهرة كبيرة.

4- وهل تأثرت في كتاباتك الأدبيه بأديب او مدرسه معينه ؟

لا استطيع ان اقول انني تأثرت بكاتب او اديب معين فكل كتاب اقرأه يترك في نفسي شيئا ما، اثرا ما حتى انني قد اتفاعل معه ومع احداث القصة فاضحك او ابكي. فمثلا يحضرني الآن ماذا حصل لي حينما قرأت كتاب “تاس دوربرفيل” للكاتب “توماس هاردي” لم انم يومها قبل ان اقرأ الكتاب كاملا وبكيت في آخر الكتاب بكاء الاطفال مع انني كنت قد شاهدت الفيلم فلم اتأثر به كما تأثرت بقراءتي للكتاب.  لكن في روايتي الأولى التي كتبتها تحت عنوان “روحانا والسفر الى الذات” تأثرت كثيرا بكتابات د. وين داير وكتاب “قواعد العشق الاربعون” للكاتبة “اليف شفق” بالإضافة الى قراءات عشر سنين في مجال علم النفس والفلسفة والتي لم اكن اقرأها من قبل. إذ كانت قراءاتي تتركز بشكل اساسي على الروايات وكتب الجيوبوليتيك. ولأكن صادقة معك لا اعرف معرفة دقيقة مدارس الأدب لأقول انني انتمي الى مدرسة معينة.

5- وهل جاء كتابك روحانا السفر الي الذات ترجمه حقيقيه لتجربه الوحدة و الغربة التي عشتيها بعيدا عن الوطن ؟

هو ثمرة قراءات عديدة في مجال علم النفس وفلسفة الحياة– كتب مقالات وريبورتاجات – وهي كتب معقدة جدا لكن بفضل تشجيع احد الصديقات العزيزة علي جدا شرعت في رحلة جديدة في هذا العالم الغريب وهو الذي ساعدني فعلا ان اكتشف يوما بعد يوم ذاتي بل عمق ذاتي. لكن عامل الوحدة كان عاملا اساسيا لاسافر اولا مع ذاتي واكتشف ان هذه الذات تملك ملكات لم اكن اعرفها من قبل وهنا اكتشفت شغفي للكتابة والتعبير كتابيا. وموضوع الوحدة تطرقت اليه في كتاب روحانا واتيت ببعض الحلول التي تساعد الانسان للخروج من الوحدة. علي ان اقر ان الوحدة والغربة كانا عاملين أساسيين لانطلق في التعبير وكتابة كل ما يختلج في صدري، من افكار، مبادئ، قيم انسانية واخلاقية، والتعبير بصوت صارخ عن القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين والتي تغنيت بها في اشعار كتبتها في ديواني الشعري الذي نشر وفي كتاب قيد الطباعة لم يصدر بعد تحت عنوان “حينما تغني الجدران”

نعم الوحدة موحشة لكنها جميلة اذا عرفنا كيف نعيشها. فبالوحدة تعلمت أولا ان اتقرب أكثر فأكثر روحانيا من الله. وبالوحدة استطعت ان اتفرغ كثيرا للقراءات. وبالوحدة اكتشفت نفسي وعرفت انني املك بعض ملكات الكتابة وحيث انه بالوحدة لا نتحدث كثيرا مع الناس والأنسان لا يستطيع ان يعيش دون ان يتحاور مع الآخرين اكتشفت القلم والورقة. وقد عبرت عن رفيقي القلم في قصيدة كتبتها في ديوان شعري وفي قصيدة نشرتها على صفحتي الادبية وفي قصة روحانا حيث حولت القلم الى شخص يجالس روحانا في وحدتها وهو الراوي في الرواية. وكانتا هما رفيقي في الوحدة والغربة. طبعا لكن بالوحدة لا بد من الدعم النفسي فبالإضافة لإيماني العميق الذي تجلى بحب عميق لرب العالمين كانت عائلتي وعلى رأسهم زوجي وأولادي واخوتي سندي وصديقة عزيزة جدا هم سندي ساندوني لأتجاوز كثيرا من المصاعب والعقبات في الحياة.

وبالغربة يشتد العود وهنا اهمية تجربتي الخاصة في الغربة. نستطيع ان نقارع الحياة بإرادة صلبة وعزيمة وصبر والصبر اهم عامل لتجاوز كثير من مشقات الحياة فلا نستهين بموضوع الصبر.

6- حاز انتاجك الادبي بانتشار واسع علي مواقع التواصل الاجتماعي فهل ترين ان تلك المواقع اثرت سلبيا علي قيمه الكتاب المطبوع ؟

فعلا، لا نستهين بالتواصل الاجتماعي وتفاعل الناس مع ما يقدمه أي كاتب.

لا يؤثر سلبيا بل يحفز الكاتب على متابعة مسيرته والاصرار في متابعة مسيرته الكتابية اضافة انه يخلق فضولاً الناس لقراءة الكتاب المطبوع. اذا استثنينا الشباب بشكل عام فان معظم الناس تفضل الكتاب الورقي على الكتاب الالكتروني. صدقا كثير من الناس سألوني متى تصدر النسخة الورقية. فلكل جمهوره الخاص وعلينا مع التطور الذي نشهده الآن وثورة التكنولوجيا ان نرضي اذواق الجميع المهم ان نوصل فكرتنا الهدف الاساسي من كتابة ونشر الكتاب.

7- شهدت فرنسا وعدد من الدول الأوروبية مؤخرا عمليات ارهابيه لتنظيمات منسوبه الي الاسلام فما مدي تأثير تلك العمليات علي صوره المسلمين خاصه في دول اوروبا ؟

لا شك انها أثرت سلبا قبل ان تتضح الصورة بشكل جلي. فعمليا حتى قبل العمليات الارهابية في اوروبا بدأت صورة الاسلام تتشوه مع بداية عملية 11 سبتمبر وظلت الاسلاموفوبيا ظاهرة قوية في فرنسا حيث نقيم، لدرجة انني تعرضت لمضايقات من البعض كوني امرأة محجبة لكن كانت محدودة جدا. انما بعد ان انجلت الصورة واصبح واضحا من الذي صنع الارهاب في العالم استطيع ان اقر اننا كجالية اسلامية نعيش حالة سكينة وطمأنينة في اوروبا. التخوف يكمن الآن في صعود اليمين المتطرف في اوروبا امر لا يستهان به. طبعا ارجو ان لا تصل الاحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا وفي اوروبا في شتى الانتخابات حتى لا نعود الى الوراء.

8- وما هي محاولاتك كأديبه لتغيير تلك الصورة السلبية التي التصقت بالإسلام و المسلمين؟

بكل صراحة معظم كتاباتي تمحورت حول الانسان كانسان باختلاف لونه او دينه او عرقه او اصوله الخ… ولم اتطرق ابدا الى الدين والاسلام حتى لو كتبت قصائد علاقة الانسان بخالقه بشكل عام  مثل في قصيدة تحت عنوان “الحب المتألق” نشرت في ديواني “الحب الخالد”. وهنا لا بد ان اشير الى انه بفضل قراءاتي الكثيرة عن فلسفة الحياة  اصبحت شيئا فشيئا مقتنعة بالرؤية العالمية التي تحدث عنها كثيرا د.وين داير في كتبه والتي تتفق تماما مع ما جاء في القرآن الكريم: “وجعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم” ومع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: “لا فرق بين عربي ولا اعجمي الا بالتقوى”.

9- في ظل اهتمامك بالقضايا القومية ما هي رؤيتك لأسباب فشل ما يسمي بثورات الربيع العربي في تحقيق اهدافها التي سعت اليها ؟

برأيي ويظل رأياً خاصاً. بنظري ان ثورات الربيع العربي كانت تعبيرا عن تنفس الشعوب ضد الظلم والديكتاتوريات. استطيع ان اشبهها بالفورة العارمة وليس بالثورة، لذلك وقعنا بما عرف بالفوضى الخلاقة وتم استغلالها من قبل الدول الكبرى وعلى رأسها اميركا وبعض الدول الاوروبية. باعتقادي ان الوعي والحركة الثقافية الهادفة او الثورة الثقافية هما عماد نجاح أي ثورة ضد الظلم والفساد والديكتاتوريات ويشكلان مقدمة لثورة حقيقية واعية وهادفة. وهنا يحضرني ما يحصل في الجزائر فإنها فعلا ثورة اثبتت نجاحها حتى الآن ولا ارى بالافق القريب والبعيد الا اننا كشعوب عربية علينا ان نستفيد من هذه التجربة بما يناسب واقع كل بلد. فلا يجوز أيضا ان ننقل التجربة بحذافيرها انما ندرسها ونرى ما يناسب واقعنا لنغيره الى الأفضل.  

10- في النهاية ما هي مشروعاتك واحلامك في المرحلة القادمة

انني بصدد متابعة كتابين لم يصدرا بعد الأول بعنوان “حينما تغني الجدران” والتي تتناول بشكل عام وضعنا العربي بمهاجريه عبر المراكب، ورواية بوليسية بقيد التدقيق. وهنا لا بد ان اذكر انني ترجمت ديواناً للشاعر والكاتب المصري ناصر عبد الحميد رمضان تحت عنوان “بي حيرة الصياد” صدر عن دار النشر “ايديلفر” في فرنسا وقد صدر في شباط الماضي. وافكر بالمستقبل ان اجمع كل ما نشرته باللغة العربية من خواطر وهمسات في كتاب نزولا عند رغبة كثير من الناس الذين طلبوا مني كتاباً يجمع ما انشره على صفحاتي الفايسبوك. يظل مشروع قيد الدراسة.

حاورها د- مصطفي عماره