حرب أكتوبر وإعادة الوعي القومي

124

رغم المفاجأت وخطط الخداع الاستراتيجي التي انتهجتها العسكرية المصرية قبيل وأثناء حرب أكتوبر إلا أن المفاجأة الحقيقية فى تلك الحرب هى الجندي المصري والذي سطر بأحرف من ذهب أروع البطولات ببراعته فى استخدام أسلحته رغم التفوق النوعي والتكنولوجي للعدو الاسرائيلي وبعقيدته وإيمانه الذي صنع مستحيلات هى أشبه بالخيال ولم تكن مفاجأة أو محض صدفة أن يظهر الجندي المصري بهذه الصورة المبهرة فى تلك الحرب بل سبهها حسن إعداد الإنسان المصري بصفة عامة والجندي المصري بصفة خاصة بدءا من بعد هزيمة يونيو 67 مباشرة والذي لم يقتصر على الإعداد العلمي للمقاتل فى كيفية استخدام الأسلحة المتطورة بل كان الأهم من ذلك كله الإعداد العقائدي والديني وزرع الإنتماء من خلال إحساس المواطن بأدميته بعد أن تعرض فى الفترة التي سبقت نكسة 67 الى كافة أنواع التعذيب والإمتهان لكرامته وسلب الحريات والقدرة على التعبير والتي جعلت هذا المواطن يشعر أنه غريب عن بلده غير منتمي لها وكان من الممكن استثمار تلك الروح التي تولدت فى الانسان المصري قبيل وأثناء حرب أكتوبر فى صنع إنسان مصري جديد قادر على خوض معكرة التنمية والبناء حتى تتقلد مصر المكانة التى تستحقها بين الأمم

إلا أننا وللأسف لم نستغل تلك النتائج بالشكل المرجو منها بينما استفاد العدو الصهيوني من دروس الهزيمة التي تعرض لها بعد أن أدرك أن الانتصار على الجيش المصري أمر أقرب الى الخيال وأنه لابد من تغيير أسلوب الحرب من حرب عسكرية لا طائل منها الى غزو ثقافي وفكري للنيل من أخلاقيات وقيم الشعب المصري وعقيدته وكان الإنترنت وما تلاه من وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أحد السبل التى استخدمها العدو الصهيوني للترويج للدعاره والجنس والإلحاد بين الشباب وللأسف فإن وسائل الإعلام المصرية ساهمت بقصد أو بدون قصد فى تنفيذ هذا المخطط من خلال الترويج للقيم الفاسدة والفن الهابط ورغم أن هناك دول فى المنطقة من أمثال تركيا وقطر وإيران تمارس مخططات هدامة ضد دول عربية وإسلامية على رأسها مصر من خلال استخدام عملاء لهم فى الداخل والخارج إلا أن ذلك يجب ألا ينسينا أبدا أن العدو الرئيسي والمحرك لكل هؤلاء والذي كان ولا يزال يحرك كافة الخيوط والدول والجماعات ضد مصر هو العدو الصهيوني الاسرائيلي ورغم الدور الظاهر أو الخفي الذي تلعبه اسرائيل ضد أمن مصر فى الداخل والخارج وعلى رأسه ملف سد النهضة إلا أن وسائل الإعلام لم تلقي الضوء مطلقا على ممارسات اسرائيل فى المنطقة وكأن إسرائيل العدو اللدود على مر الأزمنة أصبحت بين ليلة وضحاها الصديق والرفيق ولعل أبرز تلك الصور المشينة ما خرج به علينا المدعو توفيق عكاشة والذي روج من قبل ببيع مياه النيل لإسرائيل وتفاخر بصداقته للإسرائيليين فى أحد البرامج بمناسبة حرب أكتوبر

ليقول أن إسرائيل لم تعد تمثل تهديد لمصر وإذا كانت وسائل الإعلام تتحمل جزء كبير من مسئولية هدم قيم الإنسان المصري فإن النظام المصري يتحمل أيضا جزء من المسئولية بعد أن زادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتفاقمت الأزمات الاقتصادية بصورة أفقدت المواطن المصري إنتمائه وأشعرته أنه مواطن من الدرجة الثانية واليوم ونحن نواجه شبح الإرهاب وخطر المؤامرات الداخلية والخارجية التي تحاك ضدنا فإننا أحوج ما نكون الى إعادة بناء الإنسان المصري على أساس من القيم الدينية والأخلاقية وأن نسعى الى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء ورفع سقف الحريات حتى يمكن أن يستعيد المواطن المصري روح أكتوبر ليصنع من جديد نصرا اقتصاديا مثلما حقق النصر العسكري من قبل .

مصطفى عماره